حلب عار على العالم

تقييم أعده المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إبراهيم كالين

حلب عار على العالم

ان هدنة حلب الشرقية التي أبرمت بين تركيا وروسيا قائمة على أسس ضعيفة. ومن المحتمل ان اتفاقية الهدنة المذكورة آخر أمل للذين يعيشون في المدينة المحاصرة والذين أصبحوا فرائس لقنابل براميل أو الميليشيات القناصين.

وان صورا وتسجيلات فيديو مدهشة تبث من خلال مواقع التواصل الاجتماعي       وتشير الى آلام أولئك الناس، اختفت عن الأعين مرة أخرى، مما أدى الى غرق العالم الحديث في الفساد الأخلاقي والهمجية والعار بالرغم من أنه كان من المفروض أن يؤدي سقوط حلب وتدميره من قبل قوات الأسد الى تأثير عميق على العالم.

وقالت آمنة سيجيروفيج كاسلي التي تشهد صمت العالم إزاء مظالم حلب، انها عندما شهدت مظالم البوسنة وهي الثامنة أو التاسعة من عمرها، كانت دائما تتساءل: "لو كان العالم علم ما تعرض له الأناس الأبرياء لجاء من أجل مساعدتنا".

ولكنها اليوم، كشخص تشهد عدم تحرك العالم ضد ما يجري وضد الإبادة الجماعية في شوارع حلب الشرقية، تقول انها كانت ساذجة جدا في ذلك الوقت. وعندما كنت أكتب هذه الأسطر كانت تدخل وتخرج حافلات اجلاء من والى حلب أو كانت تمنع تلك الحافلات من الدخول أو الخروج أو كانت تتعرض للهجمات أو كانت تتعرض لمصير مجهول. وان الشيء الذي أنا متأكد من وجوده هو ان مجزرة حلب سيكون نصبا تذكاريا للعار في التاريخ مثل المجازر التي تعرض لها اليهود وسربرنيتشا ورواندا.

وفي العام الماضي، بعد نشر صورة جثة الطفل السوري أيلان كردي في سواحل بحر أيجه، كان قد ظهر ضوء أمل حول احتمال تدخل من المقتدرين الأغنياء الأميركيين والأوروبيين من أجل انهاء آلام اللاجئين السوريين والنازحين السوريين.

وكانت التطلعات نفسها قد ظهرت عندما نشرت الصور المدهشة لطفل سوري آخر اسمه عمران دقنيش أثناء نقله الى سيارة اسعاف من قبل عاملي الصحة وهو في الدماء.

ولكن للأسف ان عمر التعاطف والرحمة قصير في المجتمعات الحديثة ومن جهة أخرى ان الدول أصبحت قاسية وغير كافية ازاء هذه المسألة.

ومن الواضح أن أي صورة أو تسجيل فيديو أو دليلا حول تعرض انسان ما لآلام، ليس بكاف ليتحرك العالم من أجل القيام بما هو صحيح. 

ويجب علينا أن نحاول أن نتغلب على حقائق السياسة الواقعية ذات دم بارد في حين نتحمل المسؤولية الأخلاقية والنفسية لهذه الحرب المرعبة.

وبعد أعمال مكثفة استغرقت أسابيع، حصلت هدنة الاتفاقية التي أعدت من قبل تركيا وروسيا وأسهمت أطراف أخرى في اعدادها. وكان الهدف من هدنة الاتفاقية هو نقل أهل حلب الشرقية المعرضون لقصف مكثف، الى منطقة آمنة مثل ادلب الواقعة على الحدود التركية. وتم اجلاء أكثر من 40 ألف شخصا في حين ينتظر آلاف آخرون من الناس أن يخرجوا من المنطقة. وتعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ورئاسة إدارة الكوارث والطوارئ التابعة لرئاسة الوزراء التركية والهلال الأحمر التركي ووقف الإغاثة الإنسانية التركي فضلا عن منظمات المجتمع المدني الأخرى، من أجل إيصال الغذاء والملابس والمواد الطبية الى السوريين الذين وصلوا حاليا الى ادلب التي فيها مئات آلاف النازحين.

وأما اتفاقية الهدنة فلا تزال تبقى كمسيرة هشة ترافقها ديناميكية متعددة في الميدان. وقد ترغب مجموعات موالية للنظام السوري بما فيها مليشيات تدعمها إيران بالإضافة الى النظام السوري الذي تشجع نتيجة نصر حصل عليه في حلب الشرقية، في الانتقام من المعارضين. وذلك قد يأتي على شكل تخريب اتفاقية الهدنة وعملية الاجلاء في الأيام المقبلة.

وأجرى رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، اتصالات عديدة، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من أجل اجلاء الناس الباقين في حلب لكيلا يتعرضون لتأخر أو قتل أو ظلم أكثر.  

ومن جهة أخرى لا تزال الأمم المتحدة تبقى عاجزة ازاء المأساة الإنسانية المخجلة في حلب. وفي الحقيقة لا ينتظر أحد من هذه المؤسسة التي لا تستطيع أن تحول دون الظلم أو لا تستطيع أن تزيل الآلام الموجودة. ويأمل الناس أن يرون فهما إنسانيا صغيرا على الأقل من المؤسسة التي تعتبر نفسها ممثلة الأمم. غير أن أهل حلب الذين يموتون في آلام، محرومون من هذا الشيء البسيط أيضا.

ويوما ما لو تريد الأعضاء الأقوياء في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الأوروبي، أن تعرف سبب وصول الاحداث الجارية في حلب الى هذا الحد، يجب عليها أن تنظر الى الوراء، معيدة النظر فيما قامت بها لوقف هذه الحرب المخربة.    

ولم يصغ أحد الى الدعوة التي وجهتها تركيا من أجل إقامة مناطق آمنة في سوريا. ونسيت إدارة أوباما خطوطها الحمراء إزاء استخدام الأسلحة الكيماوية بالإضافة الى استخدام كل أنواع الأسلحة الأخرى، ومن الممكن الآن أن تفعل شيئا من باب الوفاء بالوعود التي قطعتها للمعارضين وتقليل ظلم الأسد بدلا من القاء التهمة على عاتق الآخرين. ولكنهم اليوم سمحوا للنظام السوري والموالين له بكسب الوقت وتحويل مسيرة الحرب لصالحهم، في حين لم تقم "الدبلوماسية" بشيء من أجل انقاذ نسوة وأطفال سوريا وحلب.

وان السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية في دعم بي واي دي الجناح السوري لـ بي كي كي، تسببت في تحريض هذه المنظمة الإرهابية كما تسببت في تخريب العلاقات التركية الأميركية.  

قبل عامين أي في 18 من شهر نوفمبر / تشرين الثاني عام 2014، كنت قد كتبت هذه الأسطر: "ليس سقوط حلب علي يد نظام الأسد الا مسألة وقت، ويواصل الأسد هجماته الدامية في حين تقصف قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية أهداف داعش، وكثف الأسد هجماته على المدينة خلال الشهرين الماضيين، ووسع نطاق سيطرته على المدينة من البر ومن الجو فدفع الثوار السوريين الى الشمال... وهناك حاجة الى اتخاذ خطوات ملموسة في الميدان قبل أن يوقع سقوط حلب وصمة سوداء على الحرب السورية. وان السماح بسقوط حلب يعني زوال أمل ما يطلب من أجل الإنسانية في سوريا".

من الواضح اننا خسرنا هذا الأمل منذ وقت طويل.


الكلمات الدلالية: حلب عار على العالم

اخبار ذات صلة