منظور عالمي 30

كيفية " التموضع" حيال الغرب؟

منظور عالمي 30

منظور عالمي 30

منظور عالمي 30

البروفسور قدرت بلبل

كيفية " التموضع" حيال الغرب؟

 

حصلت مسيرة التحول الى الغرب على مدى القرنين الماضيين في معظم المجتمعات. و هذا نابع أساسا عن الطابع المهيمن للغرب وحضارته.  و الحضارات التي تخسر في كفاحها مع الغرب تتجه نحو الغربنة بنسبة معينة.

 

لا شك ان السبب في خسارة المجتمعات غير الغربية امام الغرب، لا يكمن في التطورات هناك.

لعل ان السبب الأساسي للحالة الراهنة يكمن في عدم تأقلم المجتمعات وفقا لمتطلبات العصر من التاريخ و التقاليد و الحضارة، و عدم القضاء على التهديدات او الاحتياجات النابعة عن مسيرتها الأصلية . يجب ان تتبع هذه المجتمعات مسيرة معينة و نظرة وجودية و فهم معرفي لأنفسها حتى يتمكن من الاستمرار في وجودهم في القرون القادمة.

نقدم لكم تقييما بقلم البروفسور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية في جامعة يلدريم بيازيد...

لا شك أن عمليات البحث في هذه المجتمعات ستستمر. لكن الحياة تستمر ايضا. ولا يمكن للمجتمعات غير الغربية ان "تجدد نفسها أولا ثم تبني علاقاتها مع الغرب". ففي الوقت الذي تتواصل فيه الجهود،  عليها الحفاظ على العلاقات مع الشرق والغرب والشمال والجنوب. لأن الحياة لا يمكن إيقافها، و عليه يتراود الى الأذهان السؤال التالي: كيف ستؤسس الحضارات غير الغربية علاقاتها مع المجتمع الغربي و حضارته دون توضيح موقفها الوجودي.  فالحضارات الكبرى المشابهة للحضارة الاسلامية لم تظهر بين ليلة و ضحاها، و ليست دون جذور. بل لديها مرجعيتها و منارتها الخاصة بها من خلال تجاربها على مدى القرون و الخبرات النابعة عن تعايش المجتمعات المختلفة سويا. هذه المنارات تضيء الطريق بوضوح كي تصل الى حلول لمشاكلهم. اضف الى ذلك إن وصول الإسلام كدين، لم يأتي في مرة واحدة و لكن على مراحل تطبيقية و وفقا للظروف التي نواجهها.

اذا كيف يمكن للمجتمعات غير الغربية ان تتخذ موقفا أو تتموضع حيال الغرب في الوقت الذي تتواصل فيه مساعي اعادة الانتاج المتنوع من جذورها؟

ان الاجابة على هذا السؤال بالأمس كان هام جدا فيما زادت أهميته في يومنا هذا. فقد زاد تأثير الغرب على العالم اجمع في القرنين الأخيرين. و الأهم ان عشرات الملايين من المجتمعات غير الغربية، تعيش حاليا في المجتمعات الغربية. و تنطوي العلاقات التي ستؤثر على المجتمعات الغربية على أهمية بالغة في الرقعة الجغرافية التي يعيشون عليها.

يمكننا تفهم الشعور بالعداء لدى الأشخاص الذين يتعرضون للاحتلال أو سياسات الاحتواء في الغرب. لكن في بعض الأحيان، لا يقتصر الشعور بالعداء تجاه الغرب فقط، بل يمكن أن يشمل جميع مجالات الحياة. قد يتمادى شعور بعض الأفراد بالعداء في بعض الاحيان إلى ما بعد قوة الفرد إلى الخالق او الى شيء ضده. بل يتوهمون امتلاك قوة الهية يمكنهم من خلالها السيطرة على كل شي كالحداثة و العولمة و الغرب و الصهيونية و العالم أجمع، بل على كافة جوانب الحياة.

مما لا شك فيه، ان هناك العديد من العناصر التي يجب معارضتها في الغرب والحضارة. والخطأ ليس في الأفعال الناجمة اثر معارضة التقييمات الموثوقة ذاتيًا، بل في المعارضة الشاملة.

ربما يروق للفرد معارضة العجز والهزيمة والحصار والشعور بالقمع، والتوهم بوجود قوة الهية في كل شيء يعارضه. لكن بموجب المعارضة أو معاداة شيء ما، لا يمكن تأسيس اي شيء له تأكيد أصلي. اي تعريف الشخص و أديولوجيته و نظرته من خلال النقيض، بل و تحديد وتشكيل ما يعارضه. لأن تعريف النفس من خلال النقيض، هي استسلام لذك النقيض المعارض.

من ناحية أخرى، على الرغم من مدى التموضع من خلال النقيض في ردة الفعل، الا انه ما هو الاسهام الذي يمكن تقديمه و الناجم عن تعميق الحصار بصورة أكبر للحياة و العالم و الحقائق؟ فالتموضع من خلال النقيض فقط، يقضي على المسائلة الذاتية و امكانيات التعاون المحتملة و الصحيحة للنقيض، ويعمق بشكل أساسي الإعسار والعجز في ذلك. هذا النوع من التفاعلية غالباً ما تكون مدعومة بقوة من قبل أولئك الذين يعارضونها. فالعلاقة بين الحشاشيين والصليبيين، هي مثال ملموس عن العلاقة بين التيارات الراديكالية وبعض منظمات الاستخبارات الغربية اليوم على هذا الوضع. لكن ما نحتاجه اليوم هو ليس ان نعمق في عدم التوصل إلى حل، و الانطواء و الاعتراض بنفسية الخاسر دوما و رفض كل شيء بل من خلال مواجهة المشاكل بثقة. لهذا السبب من الضروري إقامة علاقة مع جميع الأطراف بالمعنى السليم وبطريقة واثقة دون الانسياق الى جاذبية المعارضة وشهوة الكلمة والجمال البلاغي  والأحاديث الفكرية.

عند النظر إلى المسألة بهذه الطريقة ، من الضروري البدء بمسألة كيفية التموضع "تجاه الغرب" بدلا من التموضع "ضد الغرب". لأن تعبير "ضد الغرب" يعني المعارضة منذ البداية. و اي تموضع سيجري من خلال المعاداة سيحيدنا عن طريقنا. بل سيؤدي ذلك إلى الاستسلام إلى ما نحن ضده.

من ناحية أخرى، فان البحث عن التموضع "ضد الغرب" يتخذ موقفًا طبيعيًا يركز على الغرب. الا انه على المجتمعات غير الغربية اتخاذ موقف من خلال وضع معتقداتها وثقافاتها وحضاراتها في المركز. اما بالنسبة لنا، فيجب أن نحدد وجهة نظرنا بطبيعة الحال الى الإسلام والحضارة وتاريخنا وثقافتنا.

اذاَ ما هو نوع التموضع والمنظور حول الغرب في ظروف اليوم؟

النقاش حول هذا الموضوع ليس بالجديد. بل يمتد على مدا قرنين. و سنواصل تقييم هذا الموضوع على ضوء تجاربنا.

قدمنا لكم تقييما بقلم البروفسور قدرت بلبل عميد كلية العلوم السياسية في جامعة يلدريم بيازيد..



اخبار ذات صلة