نظرة على السياسة الخارجية التركية 26

تقييم للدكتور جميل دوغاج ايبك من قسم العلاقات الدولية في جامعة أتاتورك

نظرة على السياسة الخارجية التركية 26

 

مر عام كامل على ازمة قطر التي بدأت بعد اختراق موقع وكالة الانباء القطرية في ليلة الثالث والعشرين من مايو/ايار واستمرت بسياسة العزل التي اتبعتها العديد من البلدان العربية في الخامس من يونيو/حزيران عن طريق قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض حصار بحري وبري وجوي. سنحلل في حلقتنا لهذا الاسبوع ازمة قطر والعلاقات التركية – القطرية.

 

قبل عام من الان قطعت بعض البلدان العربية مثل المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة ومصر علاقاتها الدبلوماسية مع قطع باتهامات مختلفة. وهذا الوضع كان سببا في اكبر ازمة دبلوماسية في الفترة الاخيرة في منطقة الخليج. ان قطع العلاقات الدبلوماسية تماما كانت في فترة زادت فيها الضغوط على ادارة ترامب في الولايات المتحدة الامريكية بشأن " اعادة النظر في العلاقات مع قطر". واتهمت المملكة العربية السعودية والبلدان التي كانت معها قطر بدعم الارهاب.ولكن هذه البلدان لم تثبت صحة هذه الادعاءات.

ان قطر عبارة عن دولة صغيرة في الخليج العربي ولكنها دولةمؤثرة في سياسة واقتصاد المنطقة. اذ انها تستضيف اهم الجامعات والمؤسسات الفكرية والعملاق الاعلامي الدولي اي الجزيرة. وهناك قواعد وجنود اجانب منتشرين في اراضيها. اما علاقاتها مع تركيا ففي افضل المستويات. ونعلم ان الخطوات التي القتها قطر في المنطقة بشأن التعاون مع تركيا في مجال الطاقة والعلاقات العسكرية مع تركيا والقاعدة العسكرية التركية في قطر جميعها تزعج العديد من البلدان الخليجية.

ان قطر تمتلك صورة ايجابية جدا لدى الرأي العام العربي بسبب الدعم الذي تقدمه لحركات الدمقرطة في المنطقة. بقوتها الناجحة والناعمة هي دولة لها تأثير على المستويين الاقليمي والدولي. وخاصة بفضل مجموعة الجزيرة الاعلامية التي تبث باللغتين الانجليزية والعربية تشكل رأي عام على المستويين الاقليمي والعالمي.

ان قطر تلفت الانظار بسياساتها الليبرالية بالمقارنة مع الادارت الاخرى في الخليج. ان دعمها للمعارضة الجماعية والجهات الفاعلة المغيرة خلال فترة الربيع العربي كان سببا رئيسيا في رد فعل الملكيات الخليجية ازاء قطر. اما الاسباب الاولوية لكون قطر في هدف المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة ومصر والولايات المتحدة الامريكية ، التفضيلات السياسية لادارة الدوحة وتأثيراتها على السياسة الخارجية. اذ نعلم دعم تركيا وقطر المعارضة المعتدلة ضد الاسد في سوريا.وكانت تركيا وقطر من اقنع المعارضة على الجلوس على طاولة المفاوضات في جنييف واستانا.

هناك علاقات كبيرة ومهمة في المجال الاقتصادي بين قطر وتركيا. اذ تصل قيمة استثمارات قطر في تركيا الى حوالي 20 مليار دولار. كان هناك خياران امام تركيا عندما بدأت ازمة قطر: اما ان تكون محايدة واما التدخل بشكل فعال. اختارت تركيا الخيار الثاني وفضلت ان تكون بجانب قطر.

ان الدبلوماسية التركية اجرت اتصالات مكثفة لصالح قطر. وقطعت تركيا الحصار وارسلت مواد غذائية مباشرة الى قطر التي كانت تعاني من مشاكل في امدادات المواد الغذائية. والاهم من ذلك مررت المعاهدة التي كان قد تم التوقيع عليها مع قطر من قبل من المجلس ،والقت الخطوة بشأن تطوير التواجد العسكري التركي في قطر.

ان اتباع تركيا سياسة دبلوماسية متوازنة ومصالحة مع دعمها لحليفتها قطر ،كان خيارا صائبا. ومن المهم بمكان تأكيد رئيس الجمهورية رجب طيب اردوغان ان القاعدة التركية في قطر تخدم " امن واستقرار الخليج بأكملها.". بل وحتى اعلانه عن اقتراحه على الملك سلمان  في نفس التواريخ تأسيس قاعدة مماثلة في المملكة العربية السعودية ،يعتبر مثالا اخرا على النهج البناء لتركيا. ان تركيا التي لم تترك صورة دعمها للسلام وهي تدعم قطر في المرحلة الاولى، اثبتت انها القوة الذكية للمنطقة.

ان قطر لاعب مهم في مجال التمويل الدولي ايضا. اذ تقدمت على بلدان خليجية مثل الكويت والامارات العربية المتحدة باستثماراتها الدولية في السنوات الاخيرة. ان قطر التي تعتبر اكبر ثالث دولة من ناحية احتياطي الغاز الطبيعي في العالم والثالثة عشرة من ناحية احتياطي النفط، تحقق تطورا اقتصاديا كبيرا. وقطر التي تدعم هذا التطور بنشاطات التحديث داخل البلد، تحول اشكال التحديث والعولمة بوقف قطر الذي اسسته بمزجها مع الثقافتين الاسلامية والقطرية. هذا التحول يجعل قطر في مكان مختلف عن البلدان الخليجية الاخرى. ان البلد ينتسب الى احد الاتجاهات الاكثر اعتدالا في السلفية. اذ ان قطر تبتعد عن النهج الاستبعادي والصعب المفرط الموجود في اغلب اتجاهات السلفية. وهذا الوضع يعتبر عنصرا اخرا مهما في التقارب التركي – القطري.

في عام 1913 كان الاتراك قد وافقوا على الانسحاب من قطر بالاتفاقية التي اجروها مع الانجليز. ولكن خروجهم من قطر تأخر حتى عام 1915. والان الاتراك يعودون الى قطر بالتعاون في العديد من المجالات. اليوم تتبع كل من تركيا وقطر سياسة توازن ناجحة من اجل الاستقرار في الشرق الاوسط. وهناك في كل بلد منهما مجال لتنفيذ واتباع سياسة خارجية مستقلة وفعالة في اطار التعاون. بميزات السخاء وحب المساعدة والوساطة والمبادرة والاستثمار لهذين البلدين المهمين في الشرق الاوسط، تشكلان مجال تأثير على الصعيدين الاقليمي والعالمي. اليوم قطر وتركيا قوتان مهمتان للشرق الاوسط. ولهذا ليس لديهما خيار عدم المشاركة في مسيرة تشكيل نظام جديد في الرقعة الجغرافية الشرق اوسطية. وهنا تجمع القيم المشتركة والمبادئ المشتركة كلا من تركيا وقطر.

 

 



اخبار ذات صلة